الثقافة مدخلا للتنمية بقلم د نجيب الحصادي

نشر بتاريخ 28/6/2008
تتمظهر ثقافة المجتمع في شكل نزوعات وميول وتصرفات تنبئ بقدر استعداد أفراده لتحمل مسؤولياتهم المدنية والسياسية والأخلاقية. غير أن إسهام جماع المسلكيات هذا في تشكيل خصوصيات المجتمع لا يقلل من أهمية الأفكار والرؤى والقيم في الأداء العام، فهي الموجه الحقيقي للسلوك والمقياس الأدق لدرجة وعي الأفراد، والمحفز أو المعيق الأعظم لتنفيذ أية مشاريع تنموية وأيا كانت التجليات الخارجية للثقافة المجتمعية، فإنها تصدر في النهاية عن مخططات عقلية تتطبع في عقول الأفراد، وتصوغ لكل جماعة خصوصيات ومسحا تميزها وبسبب هذه المركزية التي تحظى بها المنظومات القيمية، يلزم أن تتأسس برامج التنمية المستدامة على رصد للأفكار القيمية الشائعة والمفاهيم المسبقة والميول الغالبة، بما تفضي إليه هذه الأفكار والمفاهيم والميول من استعدادات ذهنية ونفسية ووجدانية، وذلك بهدف استقراء دورها في إنجاح أو عرقلة الخطط الإستراتيجية التي تنهض عليها البرامج المستهدفة.
وفي سياق تشخيص ركائز المنظومة الأخلاقية التي تؤسس للفعل البشري في ليبيا، وبحسبان أن هناك عوامل تضافرت في تشكيل هذه المنظومة، بمضامينها وحمولاتها متنوعة المظان، سوف أعنى في هذه المداخلة بالنزوعات السلوكية التي تشيع حدا يقرّب من وصفها بالظواهر، حتى إن لم تسد حدا يسمح بعدها سجايا أخلاقية تعكس النسق القيمي الذي يتبناه المجتمع بأسره. ذلك أن هذا القدر من الشيوع قد يكفل تأثيرها في مصائر مشاريعنا التنموية.
نلحظ بداية أن الواعز الديني يحظى عند المواطن الليبي باعتبار خاص، وأن مشاعره الدينية تتسم بقدر مناسب من الاعتدال. ورغم أن إيمانه القلبي لا يترجم في أحيان كثيرة على نحو يجعل منه دافعا مؤثرا ومحددا رئيسا للسلوك، فإن هذا الواعز قابل من حيث المبدأ لأن يستثمر في الحض على الانشغال بالصالح العام وتحمل الاستحقاقات المدنية وفق ركائز دينية، طالما تم إعمال تنشئة تؤكد قيم العدل والتكافل، عوضا عن الاقتصار على الوعظ الطقوسي وبشعائري أيضا فإن الشخصية الليبية ليست دعية، فهي لا تهرف بما لا تعرف، ولا تتكلف ما لا تحسن، وهي تقدر في الغالب قيمة الآراء التي يدلي بها أولو الاختصاص، فلا تفتئت على علمهم ولا تقلل من شأن خبراتهم. ولئن كان هذا يعني أن الليبيين يبدون استعدادا وافرا لتقدير ما يقترحه الخبراء حال ثقتهم في قدراتهم الخبراتية، فإن الأمر المهم هو أن يكون موضع ثقتهم أهلا لها أصلا. غير أن غلبة التفسيرات الأسطورية والغيبية، وإحالة العديد من الظواهر الاجتماعية إلى تفسيرات خرافية، إنما تومئ إلى وجود ذهنية معرقلة لتوجهات العلم، وبعوز في المصادر والسلطات المعرفية المناسبة أو عوز في الدراية بها. ولأن مجتمعنا لا يعدم وجود أدعياء لا حظ لهم من الخبرة سوى تكلفها، فإن الثقة المراهن عليها أدعى للاحتراز.
ثمة أيضا ما يمكن تسميته بالقيم السكونية، التي تتجلى في الاحتفاء بقيمة القناعة حد الركون إلى التواكل والكسل، وبقيمة الصبر حدا يعوق الفكر والطموح ويورث ميلا نحو التحلل من المسؤولية، كما يسهم في شيوع ثقافة استهلاكية، وفي قيام منظومة اقتصادية تضعف فيها روح المبادرة والمخاطرة.
حضور الزمن مفارق في الثقافة الليبية، فهو يتأرجح بين ذهنية التعجل والتسرع من جهة والتلكؤ والهدر من أخرى؛ وكذا شأن مفهوم المكان الذي يتم الإضرار به في ذروة التعصب له من منحى آخر، نلحظ أن لدى شرائح كبيرة من المجتمع الليبي قدرة فائقة على استيعاب والتكيف مع مختلف التوجهات، مهما بدت غريبة أو متطرفة أو جائحية وغالبا ما تتم عملية التكيف هذه عبر تلمس الوسائل المختلفة في التظاهر بتبني التوجهات المعنية دون تبنيها حقيقة. فإذا استدعى التوجه المعني القيام ببعض الممارسات الإجرائية، فإن تلك الشرائح لا تعدمها الوسيلة في الالتفاف حولها، بحيث تقوم بها (رسميا) دون أن تقوم بها (فعليا). وفي حين أن هذا القدر من المرونة يسهم بطريقته في تدني مستويات الشفافية، فإنه ينبئ باستعداد لتبني العديد من الخيارات الجديدة، وينبه إلى ضرورة تكريس مفهوم سيادة القانون الكفيل بقفل السبل أمام محاولات الالتفاف المشبوهة أيضا، فإن المواطن الليبي ينحو في أحيان كثيرة إلى عزو الفضل إلى نفسه فيما لا فضل له فيه، فيصادر جهد الآخرين ويستأثر بالمنافع الناجمة. فإذا حدث أن تولى وظيفة تقدم خدمات للجمهور، تعين شاغله الأهم في أن تعدّ مآثره، وفي التقليل من خطر مآثر من سبقوه. وهكذا، فإن التنكر للجهود السابقة، ما يوصف بالبدايات الصفرية، مسلك سائد آخر، وهو يبين من جهة عجز الإدارات الرسمية عن إعمال الأساليب الرقابية الناجعة، ويسلم من أخرى إلى شخصنة المنجزات وعوز مراكمتها.
ولأنه قد يتاح للمرء أن يحظى بمورد رزق لا يتطلب أية كفاءة، وأن يجني ثمار ما لا يقوم به أصلا، تهن الروح التنافسية ويشيع التسيب الإداري والتلكؤ في أداء المهام عوز التشريعات الضامنة ييسّر بدوره إنجاز المعاملات عبر قنوات غير شرعية، ما يجعل الوساطية سبيلا لإنجازها، بكل آثار هذا المسلك على من لا سند له أيضا عادة ما يقع المواطن الليبي ضحية للاستسهال الاقتصادي، والتعجل في تحقيق الأرباح، والترفع عن ممارسة الأعمال المجهدة. حقيقة أن المرء قد يحصل على مصدر رزق دون أن يتحمل أعباء الحصول عليه تسهم بدورها في دفعه إلى ممارسة هذا النوع من الاستعلاء؛ غير أنها تسهم أيضا في شيوع ثقافة استهلاكية غير منتجة، وفي قيام منظومة اقتصادية تعاني من الضعف والخوار.
هناك حرص يبديه الآباء على تعليم أبنائهم، ولكن غالبا من أجل الحصول على شهادات تؤمن مستقبلهم، وليس من أجل صقل مهاراتهم أو تنمية وعيهم وإحساسهم بالمسؤولية المدنية. قد يرجع هذا الحرص إلى عوز الثقة في مشاريع القطاع الخاص، الناجم عن تقلب السياسيات التي تتبناها الدولة إزاء هذه المشاريع. باستمرار ثمة خشية من أن تتنكر الدولة لوعودها، وأن تصادر ما اكتنزه رجال الأعمال وأرباب المشاريع الخاصة. غير أن هذه النظرة للتعليم لا تروج فحسب لثقافة الغش، بل تعرقل عملية خلق المجتمع المعرفي أحد ركائز المجتمع الإنساني المعاصر.
هناك أيضا نوع من الازدواجية في التعامل، إذ ليس هناك اتساق بين مسلكيات المواطن في بيته، وفي موقع عمله، وفي البيئة التي يقيم فيها سائر علاقاته الاجتماعية. الموظف الذي يتبرم من الفساد الإداري ليلا قد يمارسه في موقع عمله نهارا؛ والمثقف الذي يعادي في أعماله الاستبداد والعنف قد يقيم علاقات قمعية مع زوجته ويلحق الأذى الجسدي بأبنائه؛ والأستاذ الجامعي الذي يشجب سلوك المشعوذين في محاضراته عرضة لأن يلجأ إليهم في علاج أقرب أقربائه. غير أن لهذا الكيل بمكيالين نتائجه السلبية على قيمة الشفافية، أحد شروط الإدارة الناجحة، كما أنه يؤثر في العلاقات المجتمعية، الاتصالية منها تحديدا.. ثمة ازدواجية حتى على المستوى الديني. قد يمارس المرء طقوسه التعبدية ويحرص عليها، لكنه لا يجد حرجا في التقاعس عن عمله الذي يؤجر عليه، وقد يستبيح المال العام ويسطو على ما لا حق له فيه، فيما يجد في الانتهاكات التي تقوم بها الدولة ذريعة لتبرير مسلكه، وقد يتعلل بأنها لا تقوم بواجبها في الإنفاق على البنى التحتية، وأنه بقيامه بما يقوم به إنما يسترد حقا يفترض أن تضمنه له تشريعات لا تنفذ.
هناك أيضا نزوع شطر التعميمات والمثنويات في فهم الأمور وفي تقويم تصرفات الآخرين؛ الأوساط بين المتضادات غالبا ما تكون مرفوعة، فالآخر إما نزيه أو فاسد، ثوري أو خائن، خبير أو دعي، والثقافة الغربية إما سبيل خلاص البشرية أو رجس من عمل الشيطان. غياب البيئة الحوارية مسؤول جزئيا عن شيوع هذا النزوع، فهي القادرة على التقليل من حدة التوجهات الجزمية التي يتأسس عليها.
الانتماء العشائري محدد آخر لمسلكيات الكثيرين، حيث الولاء للقبيلة، عوضا عن كفاءة الأداء، معيار المفاضلة، وحيث تركن آلية التنافس إلى اعتبارات لا تعبأ بالصالح العام، بل تسهم في تهديده، وقد يجد أصحاب هذا الانتماء في غياب الجهات التشريعية الضامنة لحقوق الأفراد ذريعة تبرر لجوءهم إلى الحماية التي تؤمنها القبيلة.
من منحى آخر، فإن غياب الصحافة المستقلة وضعف مؤسسات المجتمع المدني جعلت المواطن يفقد الثقة في مصادر المعلومات التي تبثها الدولة، ويغترب عن التوجهات التي تدعمها، والمشاريع التنموية التي تقوم بتنفيذها، وهكذا نشأت نزوعات استرابية في قدرة الدولة على تحقيق أي تقدم حقيقي، وفي تنفيذ أية مشاريع إصلاحية، فلم يعد هناك قدر كاف من الدوافع الكفيلة بتحفيز المواطن على المشاركة في اتخاذ القرارات، الأمر الذي أدي بدوره إلى استنفار مشاعر الإحباط واليأس.
علاقة الجيل الطالع بالآخر، التي تشكلت رد فعل لعمليات التنشئة السياسية التعبوية، جعلته أشد امتثالا لذات الثقافة التي عملت تلك التنشئة على رفضها وكيل التهم إليها. وهكذا تشكلت ميول التشبه بالمجتمعات الغربية، وعوضا عن فتح شبكة المعلومات قنوات أخرى للمعرفة والاتصال، أصبحت إما أداة تكريس توجهات انغلاقية وظلامية ومتطرفة، أو مجرد وسيلة لتبادل الأخبار الشخصية ..وبطبيعة الحال، تتضافر كل هذه المسلكيات في تغييب الإحساس بالأمن، وفي عوز الشعور بالاستقرار، النفسي تحديدا، بل إنها قد تجلب الإحساس بفقد معنى الحياة بأسرها.
ولأن من لا يجد معنى لحياته قد يلتمس معنى لموته، المعنوي أو الجسدي، قد تجد أحاسيس الإحباط ومشاعر القنوط سبلا في إشباعها عبر ممارسات هروبية، تتراوح بين هجرة مكانية إلى الخارج، وهجرة زمانية إلى الماضي تورث إنكفاء على الذات أو توجها شطر خيارات تتوسل العنف وسيلة في فرض وصايتها, ولئن كانت هذه النزوعات لا تتمظهر عند الفئة الغالبة، فإن كثيرا منها يستبان عند أشخاص فاعلين في إدارة شؤون المجتمع، حيث تعطي آلية تقلد المناصب أولوية للولاء الأيديولوجي والقبلي على حساب قيم الخبرة والكفاءة، ما يجعل من بعض تلك النزوعات مؤهلات لتولي مواقع مهمة، عوضا عن أن تكون حائلا دونها.
وغني عن البيان أن حظوظ هذه المسلكيات في التمكين من تبني توجهات تنموية ليست وافرة، فهي عرضة لأن تنتج ثقافة استباح للمال العام، وثقافة استهلاك وفساد، ولأن تخلق شخصية محبطة لا طموحات لديها، فردانية لا يشغلها الشأن العام، ومنغلقة لا دوافع تجعلها تقبل على الحياة.. يتبدى أيضا أن كثيرا من هذه النزوعات الطارئة أو الوافدة قابلة لأن ترد إلى ديناميات متشابكة، تتعين تحديدا في هيمنة القطاع العام، وهيمنة السياسي على الثقافي، وانخفاض مستوى المعيشة، وتراجع دولة القانون، واختلال أساليب التنشئة الاجتماعية والهياكل التربوية.
ثمة إذن حاجة إلى نسق قيمي بديل يعزز ثقافة منتجة تسهم في تقدم المجتمع وانفتاحه على الآخر والإفادة من تجاربه. ولكن ما السبيل إلى هذا النسق؟ أتراه جعل الوعي الثقافي حزم حوافز تولد طاقات داخلية تدفع إلى بذل جهود إضافية، عوضا عن أن يكون حائلا يستنفر سلوكيات تعوق آليات التطوير؟ وهل بقيت هناك فرص لعمليات التعبئة المؤدلجة والإقصائية، أم أن هناك حاجة إلى تبني أساليب أكثر انفتاحية في تنمية الوعي؟ والأهم من كل ذلك، هل القيام بأي تغيير إيجابي في نمط المستوى المعيشي مرهون بإحداث تطور جوهري في نمط الثقافة السائدة، أم أن تحسين نمط المستوى المعيشي سوف ييسر في النهاية إحداث هذا التغيير؟
وأخيرا، وبحسبان أن شيوع أية نزعة سلوكية سلبية ليس سوى رد فعل لاختلالات سوف تختفي باختفائها، هل يظل بمقدور تأمين المصالح الاقتصادية وحقوق المواطنة وتكريس قيم الشفافية والمساءلة تغيير الأنماط السلوكية المشتبه في محاباتها لثقافة النهوض؟ وإذا كان ذلك كذلك، ألا يستبان أن إنتاج ثقافة بديلة لا يتحقق بالموعظة والإرشاد بل بخلق مناخ اقتصادي وحقوقي وقيمي تتناغم فيه حوافز المصالح الفردية مع أهداف الصالح العام؟

· ألقيت في مؤتمر التنمية المستدامة بنغازي 28/6/2008 م .

نقلا عن موقع ليبيا اليوم

One response to “الثقافة مدخلا للتنمية بقلم د نجيب الحصادي

  1. موضوع في قمة التحليل تشكر يا فيلسوفنا المحترم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s