كهرباء الرياح … اختيار استراتيجي متطور/ بقلم البروفسور فتح الله بوشرتيلة

دراسة مقدمة من : البروفسور الدكتور فتح الله عبدالله بوشرتيلة/ عضو الجمعية الليبية للتخطيط والتنمية المستدامة
(( 2010 )) 

 ضمن ندوه كبيرة في الاتحاد الأوربي التي نُظمت إثناء الفعاليات السنوية لما يسمى بـ(يوم الأرض) قمت بتقديم دراسة استعرضت فيها حاضر ومستقبل تقنيات توليد الكهرباء باستخدام طاقة الرياح . وهنا سأتطرق إلى بعض النقاط التي شملتها الدراسة بشكل مفصل بطريقة موجزة ومبسطه ، نظراً لأن موضوع الدراسة يرتبط بطاقة الرياح فلا بد لنا في البداية أن نتكلم على طبيعة الهواء ونشأة الرياح وتتميز حركة الكتل الهوائية العمودية منها والأفقية فوق القارات والمحيطات بأنها من الظواهر الطبيعية الأساسية التي تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر على كل أنواع الحياة البرية والبحرية وبالدرجة الأولى ترجع حركة الكتل الهوائية إلى تأثيرات الشمس ودوران الأرض وفصول السنة .

ففي المناطق التي يغمرها ضوء الشمس ترتفع درجة حرارة الهواء بينما يبقى بارداً في المناطق الأخرى . غير أن حرارة الهواء فوق البحار والمحيطات لا تصل إلى درجة حرارة الهواء فوق الجزر والقارات وكذلك تبقى درجة حرارة الهواء فوق اليابسة غير متجانسة بسبب وجود الجبال والمنخفضات واختلاف كثافة الأغطية النباتية ومن طبيعة الهواء الساخن أنه يتمدد ويرتفع إلى الطبقات العليا ويتحرك الهواء الأقل حرارة ليحل محله ويتكون عن ذلك مناطق منخفضة الضغط ومناطق أخرى مرتفعة الضغط ويتحرك الهواء بين هذه المناطق فتتكون الرياح باتجاهاتها وسرعاتها المختلفة . وبنفس الطريقة تتكون الرياح بتأثيرات فصول السنة عندما يبرد الهواء فوق القارات أسرع من الهواء فوق المسطحات المائية والمحيطات .

وقد استغل الإنسان قديماً الرياح في تحريك السفن والطواحين الهوائية التي ترفع المياه من الآبار والأنهار وتطحن الحبوب وتحولت اليوم ميكانيكية الطواحين البسيطة إلى تقنيات وتربينات متطورة تنتج أنواعاً مختلفة من الكهرباء وبقدرات عالية . وتجهز التربينات بآلية أوتوماتيكية تجعل توليد الكهرباء يبدأ عندما تصل سرعة الرياح ثلاثة أمتار في الثانية وتتوقف عن العمل أثناء العواصف وذلك لحماية وحدة توليد الكهرباء تكونت شركات متخصصة في تصنيع المراوح والتربينات بشتى أحجامها . فتوجد الآن مراوح صغيرة تولد كهرباء من 140 وات وحتى ألف وات بفرق جهد من 12 حتى 48 فولت وتتوفر كذلك توربينات متوسطة الحجم تولد كهرباء من عدة ألاف وات وبفرق جهد حتى 230 فولت ممكن تثبيتها فوق البنايات أو بجوارها لتوفر الكهرباء اللازمة للمنزل أو المزرعة . وفي السنوات الأخيرة زاد انتشار المراوح الهوائية كبيرة الحجم التي تولد كهرباء من عدة ملايين وات وبفرق جهد عالي ثلاثي . يمكن به تشغيل المصانع ومضخات المياه الكبيرة أو الغاطسة في الآبار العميقة . ومن المعتاد أن توصل عدة مراوح لتكوين شبكة كهربائية يطلق عليها اسم مزارع الرياح ( Wind parks / Wind farms ) تعطي إنتاجها الكهربائي إلى شبكة الكهرباء الرئيسية .
وتتميز تقنية توليد الكهرباء باستخدام طاقة الرياح بأنها تقنية نظيفة جداً فلا تسبب أي تلويث للهواء أو للمياه أو للتربة فهي لا تنتج أي انبعاثات غازية سامة مثل غاز ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت أو أبخرة الهدروكربونات أو الغبار السام كما تفعل محطات توليد الكهرباء بوقود من مصادر احفورية كالإوزات والفحم . وهي لا تستهلك أي كمية من المياه لتحريك التربينات أو للتبريد وهي لا تحتاج إلى بنايات خاصة وذات تصميم متميز للتربينات . ولا ننسى أن إنتاج ونقل الوقود إلى محطات توليد الكهرباء العادية يسبب دائماً إضراراً وتلوثات كبيرة للبيئة وهذا لا يحدث مع كهرباء الرياح لأنها لا تستهلك أي وقود .

عند أخذ هذه الملاحظات بالجدية اللازمة تتبين الضرورة الحتمية للتوسع في بناء توربينات الرياح وشبكات مزارع الرياح . ويزيد من ضرورة هذا التوسع وضرورة مواصلة العمل الدءوب في تطوير تقنيات طاقة الرياح وتقنيات الطاقة الشمسية هو ما نسمع ونرى من الكوارث والدمار الناتجة عن الاحتباس الحراري . ففي بداية عام 2010 اكتسحت الفيضانات والسيول والانزلاقات الأرضية الصين وباكستان وقتلت الآلاف وشردت أكثر من عشرون مليون نسمة وقضت على ألاف الهكتارات من الأراضي الزراعية والمحاصيل الغذائية . واكتسحت أوربا موجة حرارية جففت الغابات وسجلت فيها درجات حرارة عالية لن تعرفها المحطات المناخية من قبل واختفت موسكو تحت سحب الدخان وهي تأن في هواء حرارته 40 درجة لن تقاس مدى التاريخ في هذه المناطق الباردة عادة ولجأ سكان موسكو إلى تغطية وجوههم بفلاتر هوائية كمحاولة يائسة لاستنشاق بعض الهواء النقي . هذا كله والجفاف الذي ضرب بعض المناطق الأفريقية والأعاصير وهيجان الطبيعة الغاضبة التي تكتسح الأمريكتين والتغيرات الكبيرة التي طرأت على تركيبة الأقطاب المتجمدة ما هي إلا اشارات أولية لما يمكن أن يحدث من كوارث ودمار إذا لن يتوقف النشاط البشري عن تلويث الهواء وتدمير البيئة والاستهلاك السيئ الغير مسئول للموارد الطبيعية . ولا شك إن التوسع في استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية يشكل بديلاً حقيقياً للتقنيات القديمة التي سببت وتسبب هدم البنية الطبيعية فوق اليابسة وفي البحار والمحيطات .

وبينما أنخرط (( عباقرة )) العالم المتأخر بتشجيع وتمويل من تجار الفحم والبترول والنفايات في نقاش أبدى حول الجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والبحث عن عيوبها في صورتها القديمة لمنع توطينها ، قطع المهندسون في الدول المتقدمة شوطاً كبيراً في تطوير تقنيات الطاقة المتجددة . وفي بداية سنة 1979 تم تركيب المراوح الهوائية الحديثة في شمال أوربا . ويرى اليوم راكب القطار أو السيارة آلاف المرواح البيضاء الشامخة تزين سواحل بحر البلطيق وبحر الشمال والمحيط بداية من السويد والنرويج شمالاً حتى أسبانيا والبرتغال جنوباً . ووضعت الدول هناك قوانين وبرامج متعددة لتشجيع الأفراد والشركات على بناء المراوح الهوائية وذلك بالمشاركة في التكاليف والأعفاء من الضرائب وتقديم قروض رخيصة وبشراء الكهرباء المنتجة بأسعار عالية وثابته طوال فترة الإنتاج . وأذكر هنا قصة صديقي المهندس الزراعي توماس الذي يملك مزرعة قرب مدينة لوبيك في شمال ألمانيا حيث يربي الأبقار ويزرع القمح وبنجر السكر . والذي بنى في مزرعته ثمانية مراوح هوائية بمساعدة برامج الدولة دون التوقف عن أنشطته الزراعية الأخرى وأصبح له دخل جديد عالي من بيع الكهرباء . وفي السنوات الأخيرة أزداد عدد المزارع الهوائية في أوربا وأرتفع دورها الاقتصادي ، ففي الدنمرك تغطي كهرباء الرياح حوالي 24% من الكهرباء المستهلكة هناك وتعتبر الدنمرك من أكبر الدول المصدرة للتربينات الهوائية ووصل إنتاج كهرباء الرياح في ألمانيا وفرنسا وأسبانيا إلى أكثر من 16% من الكهرباء المنتجة هناك .
وفي سنة 2009 تم وضع برامج جديدة للتوسع في إنتاج كمية الكهرباء المولدة بواسطة المراوح الهوائية رغم نقص مساحات الأرض الملائمة لنشر توربينات الرياح وذلك بالانتقال إلى البحر واستغلال مسطحات بحرية لبناء مزارع الهواء هناك . وتقوم الآن عدة جهات بتطوير وبناء توربينات ومراوح وأعمدة وقواعد تتلائم مع التيارات والعواصف البحرية . وأنا متأكد من أن المهندسون في الدول المتقدمة سيجدون الحلول لكل الصعوبات التي ستقابل هذا البرنامج الطموح والذي سيجعل من طاقة الرياح منافساً جاداً للطاقات الأحفورية .

وتشير الأبحاث الجديدة إلى أن بناء مزارع الرياح الهوائية البحرية ما هو إلا خطوة من خطوات التوسع المستقبلية في الاستفادة من طاقة الرياح .

فسرعة تطور تربينات الرياح وبناء أجيال جديدة منها أكثر فعالية لا يساعد فقط على انتشار المزارع الهوائية وتوفير الكهرباء النظيفة للمزارع والمصانع وضخ المياه من الآبار فحسب بل سيجعلها تحتل ميادين أخرى مثل صناعة غاز الهيدروجين وتحلية المياه ويمكن استخدام مزارع الهواء البحرية في تزويد مدن الشواطئ بالمياه العذبة وإنني أتصور أن تغزو التربينات الحديثة محطات الوقود المنتشرة خارج المدن لتزويد الأجيال الجديدة من السيارات بغاز الهيدروجين والكهرباء بدل البنزين التي تحترق فتلوث الهواء وتزيد من مآسي الاحتباس الحراري . وأشرف الآن على أبحاث علمية تهدف إلى إبداع تقنيات جديدة تعمل على تحويل التفاوت الحراري في أعمدة الأجسام الصلبة أو السائلة أو الغازية المتوفرة في الطبيعة إلى تيار كهربائي دون إفراز أي ملوثات بيئية .

وفي نهاية حديثي أريد أن أركز على أنه في الفترة الزمنية الطويلة الواقعة بين 1980 و 2010 والتي انتشر فيها بناء التربينات الهوائية بشكل واسع جداً في مناطق مختلفة من العالم لن تذكر أو تسجل أي جهة علمية ذات ثقة ومسئولية أي إضرار بيئية أو بشرية من جراء المراوح أو التربينات الهوائية كاملة التقنية . وأصوات المراوح التي قد تكون مرتفعة أثناء الرياح العالية يعتبرها البعض موسيقى طبيعية كخرير مياه الشلالات ويعتبرها آخرون مزعجة ولكن الجميع لن يتأثرون بها إذا ابتعدوا عن المراوح مسافة تقرب من ألف متر . علماً بأن المراوح تتوقف أوتوماتيكياً عندما تصل الرياح إلى سرعة معينة لحماية الأجهزة نفسها وعندها لا يصدر عنها أي أصوات للمراوح وقت العواصف .

البروفسور الدكتور : فتح الله عبدالله بوشرتيلة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s